تعليم

موضوع عن وصف مشهد طبيعي

البياض يملأ مساحات السماء

بعدَ خريفٍ عاصفٍ بالهواءِ الغاضبِ، واستغناءِ الأشجارِ عن أوراقها الصفراءِ الشاحبة، تصفو السماء بلونها الأزرقِ الذي يعكسهُ صفاء البحرِ ورونقهُ، وتتّحدُ مكوّنات الطبيعةِ فيما بينها لتحصلَ على أكبر قدرٍ ممكنٍ من الدفءِ، لأنّ البردَ القادمَ قد يكونَ قاسيًا بما يكفي لتجمّدِ الماء المتجمّع بين جذوع الأشجار في البساتين، ورؤوس الجبالِ تستعدّ لتستقبلَ قُبّعتها البيضاء التي يُلبسها إياها بردُ الشتاء القارسِ بالثلجِ والبَرَد، والبيوتُ الصغيرةُ التي تعجُّ بضوضاءِ العائلةِ بدأت تستكينُ استعدادًا للجلوسِ قرب المدفأة، بعيدًا عن نزهاتها المعتادةِ في الحدائقِ، وبعيدًا أيضًا عن الخروجِ من المنزل إلا لضرورةِ العملِ.

السُّحُب البيضاء تبدأ بالتكوُّنِ شيئًا فشيئًا، تتجمّعُ وكأنها قطعٌ من القُطنِ المتبعثرِ في صحيفةِ السماء الصافية، تضعُ كل مجموعةٍ يدها بيدِ المجموعاتِ الأخرى لتتآزرَ ضمن تكوينٍ كبيرٍ يُغطّي المساحة التي تتجلى لعيون الناظرين، فيرفع الناسُ أنظارهم للسماء، يشاهدون تجمُّعَ الغيم فيعرفونَ أنّ الشتاءَ قد أقبل، أما الشُّعَراءُ الذين يُحبّون مشهدَ الغيم عندَ تكوّنه يستلهمونَ من هذا التكوُّنِ القصائد التي يرمزون فيها إلى النقاء والطهر، فالغيم هو الرمز الأول لذلك في بياضهِ وجمالهِ ورقّته.

 

تتشكلُ الغيوم وتملأ السماء بالجمال، وتملأ القلب بالأحاديثِ، وتغرسُ في قلبِ العشاقِ وصفًا غيرَ متناهٍ عن العذوبة، وتُحيِي في الفؤادِ ما نامَ من الابتهاجِ بالغيثِ الذي تأتي به. تُمطرُ كما لو أنها تذرفُ دموعًا كثيرةً بعد سكوتٍ طويل، وتغشى الناس كما لو أنها تغطّيهم بمعطفٍ من الماءِ يرتدونهُ فوقَ معاطفهم تارةً، ويصدّونه بالمظلّاتِ تارةً أخرى، ومن يدري بما يشعرونَ وهم مسرعونَ في المرورِ تحت المطر، وكيف يحلمُ كلٌّ منهم بأمنياتهِ التي طالما انتظرها، فيأملُ أن تتنزّلَ عليه عطاءاتها كما يتنزل المطر بكرمٍ وجود.

الغيم يوقِظ الشعر في القلوب

كيف يمكن للشاعرِ بكل ما أوتي من إحساسٍ أن يتجاهلَ تكوينَ الغيم في مشهدِهِ البهيّ، وكيف لا يوحي الغيمُ بأسرارٍ كثيرةٍ لأرباب الشعورِ والكلامِ؟ إنّه مصدرٌ حقيقيٌّ للإلهامِ الذي يبحثُ عنهُ الناسُ حتى تصفو سرائرهم مع ذواتهم، والحافظ الأول لقلوبهم في بدايات تجلياتها، وفي تجمُّعِهِ مع بعضهِ معنى عميقٌ من معاني الأخوةِ والصداقةِ التي تنتهي في آخر مطافها إلى العطاء الكبير، وإلى بابٍ واسعٍ من النقاء الذي يوزّع جمالًا على رِحابِ الكون.

إنّ ذلك المعنى بما فيه من تفاصيل قد أوحي للعديدِ من الشعراء بقصائد في وصف الغيم، أو بتشبيهِ محبوباتهم بالغيم الأبيضِ، ومن هؤلاء الشعراء الشاعر الفلسطينيّ الكبير محمود درويش، فقد أبدعَ في تصوير مشهد الغيوم بقولهِ:

وَصْفُ الغيوم مَهَارَةٌ لم أُوتَها

أَمشي على جَبَلٍ وأنظُرُ من عَلٍ

نحو الغيوم، وقد تدلّتْ من مَدَار اللازَوَرْدِ

خفيفةً وشفيفةً،

كالقطن تحلُجُه الرياحُ،

كفكرةٍ بيضاءَ عن معنى الوجود.

بل إنّ الغيم هو الذي يُشعر الإنسانَ بأنهُ يُشبِههُ في رؤاه وذاته، فهو يجعل البشرية تميلُ لكونها مِعطاءةً، وفي الوقت ذاته لا يمكنُ أن تكونَ كاملةً دون نقص، فلا يتجمع الغيمُ في مكانٍ إلا تلاشى فيما بعد أو تفرّقَ، فمشهدُ تجمّعِهِ لا يطول، بل يكادُ يكونُ أقربَ للتجربةِ التي تمنحُ غيرها الخير العَميم ثم تتلاشى وتمضي في سبيلها، لتعودَ مرةً أخرى حينَ تسمحُ لها فرصة الطقسِ وقوانين الطبيعة، ولذلك يقول الشاعر محمود درويش في قصيدته ذاتها إنّ الغيم هو الذي يرسمنا بالنسقِ الذي يشبهه، ويخلطُ معالمنا بأفكارنا بحثًا عن تفسيرِ ذواتنا، رغم أنه لا يكتمل مثل الإنسانِ تمامًا، إذ إنّ النقص من طبيعته البشريةِ، والتبدّلُ والتغير صفة من صفاتِ الإنسانِ في فِكرِهِ ومعتقداته، فيقول:

ترسُمُنا الغيومُ على وَتيرتها

وتختلط الوجوه مع الرؤى

لم يكتمل شيء ولا أَحد، فبعد هُنَيهةٍ

ستصيرُ صورتُكَ الجديدةُ صُورَةَ النَّمِرِ

الجريحِ بصولجان الريحِ

رسَّامون مجهولون ما زالوا أمامك

يلعبون، ويرسمون المُطْلَقَ الأبديَّ،

أبيضَ، كالغيوم على جدار الكونِ

والشعراءُ يبنون المنازلَ بالغيومِ

ويذهبون

الأبدُ المُطلَقُ لا يشبهُ إلا الغيمَ في بياضهِ وغيابهِ عن علم الإنسان، وكأنّه منقوشٌ على جدارِ الكون لا يمكن أن يزول، ولأنه جزءٌ من أجزاءِ الطبيعة فلا يمكنُ أن يُنسى، وكلُّ ما يفعلهُ الشعراء هو أنهم يبنونَ أحلامهم من الغيم، وكأنها تكبرُ وتكبرُ، ثم تتلاشى وتتفرّق لتذهبَ بعيدًا، ثم تصحو السماء بزرقتها وتصفو، وتشرقُ الشمسُ، وكأنَّ حُلمًا لم يكُن.

ما أجملَ الغيمَ لولا أنه يمضي بسرعة، لا يترك الفرصة الكافيةَ ليتأمله القلبُ على مهلٍ، فينمو في المهد قليلًا ثم يموتُ ليأتي غيرُهُ بصورةٍ أخرى، وكأنّه نوعٌ من أنواعِ الكائنات التي لا تعمّر طويلًا، فتعيشُ عمرها القصيرَ بهيًّا كريمًا، ثم تقضي عليها كائنات أخرى وتأخذُ مكانها، أو كأنها تشبيهٌ أبديٌّ يستخدمهُ شاعرٌ في قصيدته التي سيمحوها الزمان، فصحيحٌ أنه ثابتٌ في الشعر ـ ولا سيما الشعر الحديث ـ لكنه لن يثبتَ في الأبدِ الحقيقيّ، وفي هذا المعنى يُكمل محمود درويش قصيدته عن الغيم بقوله:

لكن أَعمارَ الغيوم قصيرةٌ في الريح،

كالأبد المؤقت في القصائِد،

لا يزول ولا يدوم

من حُسْن حظّي أَنني أَمشي على جَبَلٍ

وأَنظر من عَلٍ

نحو الغيوم

طقوس الطبيعة عند حضور الغيم

تبدأ الأماكنُ شاعريّتها منذ أن يُنذرَ الشتاءُ بالقدوم، فالغيمُ بشارةُ عطاءِ الشتاء ونذيرُ البردِ القارس. تبدأ الأشجارُ بتجهيزِ أوراقها للربيع الذي سيأتي بعد هذا الفصل القاسي، والعصافيرُ تحنو على بعضها في جذوعِ الأشجارِ رأفةً من البردِ القادم، وبركةُ المياهِ تبدأ بالارتعاشِ حين ترى بياضَ السحبُ قادمًا من بعيد، والأطفالُ يوشكُ أحدهم أن يشعر بالبردِ الخفيفِ وهو يلعبُ في الحديقةِ مع أصدقائهِ فيعودَ إلى والدته ليرتدي معطفه، والعائلاتُ تفرشُ البساطَ على الأرضِ وتُعِدُّ للشتاءِ عُدّتهُ، فتُعيدُ تثبيتَ المدفأةِ في بَهوِ المنزلِ وتُغلقُ النوافذ.

الزهرُ الذي اعتادَ الاختباء بين العشبِ في الحدائقِ في أشدّ الشوقِ للسحابِ الذي سيأتي بالمطرِ ليصنعَ الندى تاجًا على رأسهِ، يتباهى بهِ لشدّةِ ما يصنعهُ عليه من رقّةٍ تكتبُ فيها الشعراءُ أجمل القصائدِ وأرقّها، فيصبحُ الزهرُ حينئذٍ في أبهى تجلّياتهِ وعنفوانِ ألقِه، ومن هنا كان للشاعر الشريف العقيلي رغبة في أن يشبّه الزهرَ في أبياته بهذا اللونِ من السّحر الذي تبعثه في النفس، فيرى أنّ الغيمَ في منتصفِ السماء والبرق حوله يلمعُ وكأنّه نارٌ تحرقُ نفسها، بل كأنَّ الغيمَ معطفٌ أبيضٌ بهيٌّ ترتديه السماء، ولكنّهُ مزركشٌ بالزخارفِ الذهبيةِ من جانبيه، وما المطرُ إلا قبلاتهُ للأقحوانِ حينَ يبتسمُ على عيدانه، وذلك حين يقول في هذه الأبيات

الغَيمُ في حافَتَيهِ البَرقُ يَلتَهِبُ

كَأَنَّهُ مُطرَفٌ أَعلامُهُ ذَهَبُ

وَالقَطرُ يَلثُمُ ثَغرَ الأُقحُوانِ إِذا

تَبَسَّمَت عَنهُ في أَفواهِها القُضُبُ

ثمّ إنَّ الرعد والبرق حكاية من التشويق، فالبرقُ يجعلُ الأبصار بين رهبةٍ ورجاء، والرعد بصوتهِ يبثّ الهيبة في النفسِ، وقد روي في الحديث الشريف أنّ اليهودُ قد سألت النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عن الرَّعدِ “ما هو؟” فقال: “ملَكٌ من الملائكةِ بيدِه مخاريقُ من نارٍ، يسوقُ بها السَّحابَ حيث شاء اللهُ”، قالوا: فما هذا الصَّوتُ الَّذي نسمعُ؟ قال: زجْرُه بالسَّحابِ إذا زجره، حتَّى ينتهيَ إلى حيث أُمِر. قالت اليهودُ: صدقتَ.[٣] وفي هذا شيءٌ عجيبٌ لا يهتدي إلى تأمّلهِ إلا واسع الفكر عميق الشعورِ بالكائناتِ وروحها.

لماذا نحب الغيوم؟

السحابُ صديقُ السماء في أيامِ الشتاء، والسّاهرُ فوقَ نومِ المُتعبينَ في ليلِهم، ومضرب المثل بالنقاءِ والطهرِ حين تشوبُ بقيّة مظاهرِ الطبيعةِ الشوائب، هو العاشقُ للبحر وأمينُ أسرارهِ، والبحرُ هو الحُضنُ الأول الذي يستقبلُ أمطارَ السُّحُبِ بكلّ اشتياقٍ ولهفة مهما ذرفتْ بشدّةٍ وغضب، وكأنّه باتّساعهِ يفتحُ ذراعيهِ لاحتواءِ كلّ ما يريدُ الغيمُ أن يقولهُ.

تكشفُ لنا عن حالةِ الجوّ وما سيكونُ عليه بعد سويعاتٍ من صحوٍ أو مطرٍ أو غيره، فكأنها تشي إلينا بسرٍّ صغيرٍ من أسرار الطبيعة، ولا سيما أنها تجمعُ تأثّراتها من الأرضِ والريح والهواء والطقس، والعديد من العوامل الأخرى، وهي لا شكّ تعبر حين يحبها الإنسان عن رطوبةِ مشاعرهِ ونداها واستعدادها لاستقبالِ الأحوالِ الشعورية المختلفة.

نحبُّ الغيم لأنهُ انعكاسٌ لقلوبنا التي تحبُّ الخير للآخرين حين تعطي بلا مقابل فتتذوقُ معنى السعادة، وتعطفُ على من يحتاجُ المساندةَ، وتؤدي معنى إنسانيتها الذي ينبغي ألا تخرجَ عن إطارِهِ مهما كلّفها الأمر، نحبّه لأنّه لونُ النقاءِ الذي نحتاجهُ كلما كدّرتنا الحياةُ بصوتها الصاخبِ، ونتأمّلُ تكوّناتهِ وأشكاله العشوائيّة لأنّه يشبهُ عفويّتنا التي تقودُنا لتجربة الأشياء الجديدة، والضحكات التي تبعثها المواقف غير المنمّقة، والانفعالات الطفولية التي تحمي عيوننا من فكرة الشيخوخة، وتحفظ قلوبنا من الموت، فتجعلنا في شباب دائم للحبّ والحياة.

5/5 - (1 صوت واحد)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى